قليلة هي النصائح الصحية التي تتردد بقدر نصيحة شرب ثمانية أكواب من الماء يوميًا، حتى صارت رقمًا يحفظه الجميع ويقيسون عليه أنفسهم. فمنهم من يلاحق هذا الرقم بقلق ويشرب دون عطش، ومنهم من يعجز عنه فيظن أنه في جفاف دائم، وبين الفريقين يضيع السؤال الحقيقي عن حاجة الجسم الفعلية.
ومصدر هذا الارتباك أن الرقم الواحد يتجاهل ما يغير الحاجة من شخص لآخر ومن يوم لآخر. فالجسم يفقد الماء بالتعرق والتنفس والتبول، وتزداد هذه الخسارة مع الحرارة والنشاط البدني والمرض، وهي عوامل تتبدل باستمرار، خصوصًا في مناخ حار كمناخ المملكة حيث يتضاعف التعرق في ساعات النهار الطويلة. كما أن جزءًا من الماء الذي نحتاجه يأتي من الطعام والمشروبات الأخرى، لا من كوب الماء وحده.
يجيب هذا المقال عن سؤال كم لتر ماء في اليوم يحتاجه الإنسان بطريقة تراعي هذه المتغيرات، ويشرح أعراض الجفاف من أخفها إلى ما يستدعي تدخلًا عاجلًا، ويفصل فوائد شرب الماء الثابتة عن تلك المبالغ فيها. ثم يعرض الأخطاء الشائعة في الشرب، وعادات بسيطة تنظمه خلال اليوم، بما فيها أيام الصيام والحر الشديد.
كم لتر ماء في اليوم يحتاجه جسمك فعلًا؟
تضع هيئات صحية دولية تقديرات عامة للاحتياج اليومي، فالهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية مثلًا تقدره بنحو لترين للنساء ولترين ونصف للرجال من إجمالي السوائل، وهذا الإجمالي يشمل ما يأتي من الطعام الذي يوفر عادة نحو خمس الحاجة أو أكثر قليلًا. فالرقم إذن لا يعني لترين من الماء الصافي، بل مجموع ما يدخل الجسم من ماء وحليب ولبن وشوربة وخضار وفاكهة.
غير أن هذه التقديرات وضعت لظروف معتدلة الحرارة ونشاط متوسط، ولذلك ترتفع الحاجة ارتفاعًا ملحوظًا عند العمل في الحر أو ممارسة الرياضة أو الإصابة بالحمى والإسهال والقيء، وكذلك أثناء الحمل والرضاعة. وفي المقابل يحتاج من يعاني أمراضًا في القلب أو الكلى إلى كميات يحددها الطبيب، وقد تكون أقل من المعتاد، لأن الإفراط في السوائل يرهق هذه الأعضاء بدل أن يخدمها.
والنتيجة العملية أن الرقم نقطة انطلاق لا هدف يلاحق، وأن المؤشر الأصدق هو الجسم نفسه. فلون البول الأصفر الفاتح وانتظام التبول خلال اليوم وغياب العطش المستمر علامات على كفاية الشرب عند معظم الأصحاء، بينما يدل البول الداكن وقلة مرات التبول على حاجة إلى مزيد من السوائل. وهذا المؤشر يتكيف تلقائيًا مع حرارة اليوم ونشاطه بطريقة لا يستطيعها أي رقم ثابت، فيوم العمل في مكتب مكيف غير يوم الرحلة البرية في الصيف.
أعراض الجفاف من العلامات الخفيفة إلى الخطيرة
يبدأ الجفاف الخفيف بعلامات يسهل تجاهلها، كالعطش وجفاف الفم والشفاه وقلة التبول مع دكنة لونه، ثم الصداع والإرهاق وضعف التركيز. وهذه العلامات مترابطة في سببها، فحين ينقص الماء يقل حجم الدم قليلًا ويعمل الجسم على الاحتفاظ بما لديه، فتقل كمية البول وتتركز، ويشعر المرء بالتعب قبل أن يخطر له الماء سببًا. ولهذا قد يكون جزء من صداع العصر حاجة إلى الشرب لا إلى المسكنات.
ويتطور الجفاف المتوسط إلى دوخة عند الوقوف وتسارع في ضربات القلب وجفاف واضح في الجلد، وقد يظهر الإمساك لأن الأمعاء تسحب الماء من الفضلات لتعويض النقص، وهو ما يربط الجفاف بصحة الهضم كما يفصل مقال "صحة الجهاز الهضمي والانتفاخ". أما الجفاف الشديد فيصحبه تشوش ذهني أو خمول غير معتاد أو انقطاع البول ساعات طويلة أو إغماء، وهذه علامات طارئة تستدعي التوجه إلى الطوارئ فورًا دون محاولة علاجها في البيت.
وتحتاج بعض الفئات انتباهًا خاصًا لأن علاماتها أخفى أو خطرها أسرع. فكبار السن يضعف عندهم الإحساس بالعطش، فقد يصلون إلى الجفاف دون أن يطلبوا الماء، والرضع والأطفال الصغار يفقدون السوائل بسرعة عند الإسهال والقيء، وتظهر عليهم علامات كقلة الحفاضات المبللة والبكاء دون دموع. ويشمل ذلك العاملين في الأماكن المكشوفة صيفًا، إذ يتداخل الجفاف مع الإجهاد الحراري ويضاعف خطره، وقد يتطور إلى ضربة شمس تحتاج إسعافًا عاجلًا.
فوائد شرب الماء الثابتة وتلك المبالغ فيها
أوضح فوائد شرب الماء تنظيم حرارة الجسم، إذ يعتمد التبريد على العرق الذي يحتاج ماء ليتكون، ولهذا يصبح الشرب في الحر ضرورة لا خيارًا. ويليها دعم عمل الكليتين في طرح الفضلات، فالشرب الكافي يخفف تركيز البول ويقلل خطر تكون الحصى عند المعرضين لها، ويسهم كذلك في ليونة الفضلات وانتظام الإخراج.
وللماء أثر على الذهن أيضًا، فقد ربطت دراسات بين الجفاف الخفيف وتراجع الانتباه والمزاج وزيادة الإحساس بالتعب، وهذا يجعل الشرب جزءًا من أي خطة لتحسين التركيز، وهو ما يتوسع فيه مقال "أكل خفيف وتركيز أعلى: ماذا تأكل؟". ويساعد الماء قبل الوجبات بعض الناس على الشعور بالشبع مبكرًا، لكنه لا يحرق الدهون ولا يعمل بديلًا عن تنظيم الطعام، مهما وعدت بذلك حميات الماء المنتشرة.
وتبقى البشرة أكثر المجالات مبالغة؛ فالإعلانات تصور الماء سرًا للنضارة وإزالة التجاعيد، والحقيقة أن الجفاف الواضح ينعكس على الجلد فيبدو باهتًا، لكن الشرب فوق الحاجة لا يضيف نضارة إضافية. فرطوبة الطبقة الخارجية من الجلد تعتمد على سلامة حاجزه الواقي وعلى المرطبات والعوامل البيئية كالهواء الجاف والمكيفات أكثر من اعتمادها على عدد الأكواب. ومثل ذلك فكرة أن الماء "يطرد السموم"، فالكبد والكليتان هما من يتولى هذه المهمة، والماء الكافي يدعم عملهما دون أن تضيف الزيادة شيئًا.
هل يمكن أن يضرك الإفراط في شرب الماء؟
نعم، وإن كان ذلك نادرًا عند الأصحاء في الظروف العادية. فالكلى السليمة تستطيع التخلص من كمية كبيرة من الماء، لكن قدرتها محدودة في الساعة الواحدة، فإذا شرب الشخص كميات ضخمة في وقت قصير تجاوزت هذه القدرة، انخفض تركيز الصوديوم في الدم، وهي حالة تعرف بنقص صوديوم الدم قد تسبب الغثيان والصداع والتشوش، وتصبح خطيرة في صورها الشديدة.
وتحدث هذه الحالة غالبًا في سياقات محددة، كالرياضيين في سباقات التحمل الطويلة الذين يشربون الماء بكثرة دون تعويض الأملاح، أو في تحديات شرب الماء التي تنتشر على وسائل التواصل، أو عند من يدفعهم القلق إلى الشرب القسري فوق العطش باستمرار. وتزداد القابلية عند من يتناولون أدوية تؤثر في توازن الأملاح، أو يعانون حالات في القلب والكلى والكبد، وهؤلاء تحديدًا يحتاجون توجيهًا طبيًا في كمية السوائل.
والرسالة هنا ليست التخويف من الماء، بل تصحيح فكرة أن الأكثر أفضل دائمًا. فالشرب الموزع على اليوم بحسب العطش ولون البول يحقق الفائدة كاملة، ولا يضيف تجاوز ذلك بكثير أي مكسب صحي، بل يزيد عدد مرات التبول وقد يقطع النوم إذا تركز في المساء.
أخطاء في شرب الماء يقع فيها كثيرون
تأجيل الشرب حتى يشتد العطش ثم تعويضه دفعة واحدة عادة منتشرة تفوت جزءًا من الفائدة. فالجسم يستفيد من الماء الموزع أكثر من الكمية المركزة، لأن الدفعة الكبيرة يطرح جزء منها سريعًا في البول، بينما يحافظ الشرب المنتظم على توازن مستقر خلال اليوم.
ويخطئ كثيرون حين يعدون كل المشروبات ماء بالقدر نفسه؛ فالعصائر والمشروبات الغازية المحلاة تمنح سوائل لكنها تحمل معها سكرًا كثيرًا يضر أكثر مما ينفع، كما يوضح مقال "السكر والأطعمة المصنعة وأثرهما". وعلى العكس يقع آخرون في استبعاد الشاي والقهوة كليًا ظنًا أنهما يسببان الجفاف، مع أن تناولهما باعتدال يسهم في السوائل اليومية، لأن أثرهما المدر للبول أضعف من أن يلغي ما يحملانه من ماء عند المعتادين عليهما.
أما الخطأ الثالث فيتعلق برمضان، حين يحاول الصائم شرب ما يكفي يومه كله في السحور، فينتهي إلى امتلاء مزعج وتبول متكرر دون أن يحتفظ جسمه بكل ما شربه. ويضاف إلى ذلك إهمال السوائل في الأجواء المكيفة، لأن الإحساس بالعطش يقل فيها، رغم أن الهواء المكيف الجاف يزيد فقدان الماء عبر التنفس والجلد.
عادات بسيطة تنظم شرب الماء طوال اليوم
أيسر ما يعين على الانتظام ربط الشرب بعادات قائمة، كالشرب عند الاستيقاظ ومع كل وجبة وفي استراحات العمل وبعد الصلوات، فيتوزع الماء على اليوم دون حاجة إلى تذكر دائم. ويساعد وجود زجاجة ماء في متناول اليد، على المكتب أو في السيارة، لأن توفر الماء أمام العين يرفع عدد مرات الشرب تلقائيًا، خصوصًا لمن ينشغل ساعات دون أن ينتبه للعطش.
ثم تأتي الأطعمة الغنية بالماء التي تخفف عبء الأكواب، كالخيار والبطيخ والبرتقال والطماطم والشوربة واللبن، فهي تمد الجسم بالسوائل ومعها أملاح ومعادن وألياف. ومن يجد الماء الصافي مملًا يستطيع إضافة شرائح الليمون أو النعناع أو الخيار، بدل اللجوء إلى العصائر المحلاة التي تضيف سكرًا لا حاجة إليه.
ويحتاج النشاط البدني والحر إلى انتباه إضافي، فالشرب قبل التمرين وأثناءه وبعده يعوض ما يفقد بالعرق، ومن يتعرق بغزارة لفترات طويلة قد يحتاج إلى تعويض الأملاح أيضًا، وهو ما يمكن مناقشته مع الطبيب أو أخصائي التغذية الرياضية. وفي رمضان يستحسن توزيع الشرب على الفترة بين الإفطار والسحور على دفعات صغيرة متتابعة، مع تقليل الأطعمة شديدة الملوحة في السحور لأنها تزيد العطش في النهار.
أسئلة شائعة حول شرب الماء والجفاف
هل الشعور بالعطش يعني أنني مصاب بالجفاف بالفعل؟
تنتشر فكرة أن العطش يعني أن الجفاف وقع بالفعل، والأدق أن العطش إشارة مبكرة يرسلها الجسم عند نقص بسيط في السوائل، وهو دليل موثوق للشرب عند معظم الأصحاء. والاستثناء عند كبار السن الذين يضعف لديهم الإحساس بالعطش، وعند الرياضيين والعاملين في الحر الذين يفقدون السوائل أسرع مما يعوضها العطش، فهؤلاء يحتاجون إلى الشرب المنتظم دون انتظار الإشارة.
هل الشاي والقهوة يحتسبان من حاجتي اليومية للماء؟
نعم، يحتسب الشاي والقهوة عند تناولهما باعتدال ضمن السوائل اليومية، لأن ما يحتويانه من ماء يفوق أثرهما المدر للبول عند المعتادين عليهما. لكن الإكثار منهما يرفع استهلاك الكافيين الذي قد يؤثر في النوم وضربات القلب، وإضافة السكر إليهما تحولهما إلى مصدر للسكر المضاف. ولذلك يبقى الماء المصدر الأساسي، وتأتي هذه المشروبات مكملة له لا بديلًا عنه.
ما لون البول الذي يدل على شرب كافٍ؟
اللون الأصفر الفاتح يدل غالبًا على شرب كافٍ، بينما يشير اللون الداكن إلى حاجة للمزيد من السوائل، أما البول الشفاف تمامًا طوال اليوم فقد يعني شربًا يفوق الحاجة. ومن المهم معرفة أن بعض الأطعمة والأدوية والفيتامينات، خصوصًا فيتامينات ب، قد تغير لون البول دون علاقة بكمية الماء. وإذا ظهر لون غير معتاد كالأحمر أو البني الداكن دون سبب واضح، أو صاحبه ألم أو حرقة، فذلك يستدعي مراجعة الطبيب.
هل أحتاج إلى مشروبات الأملاح بعد التمرين؟
يكفي الماء معظم الناس بعد التمارين العادية التي لا تطول كثيرًا، لأن ما يفقدونه من أملاح يعوض بسهولة من الوجبة التالية. أما التمارين الطويلة الشاقة أو العمل الممتد في الحر مع تعرق غزير، فقد تستدعي تعويض الأملاح إلى جانب الماء. ويجدر الانتباه إلى أن كثيرًا من المشروبات الرياضية التجارية تحتوي سكرًا ملحوظًا، ولذلك يفضل أن يحدد أخصائي التغذية أو الطبيب الحاجة إليها بحسب طبيعة النشاط.
هل شرب الماء الكثير يحسن البشرة؟
يحتاج الجلد كغيره من الأعضاء إلى ترطيب داخلي كافٍ، والجفاف الواضح ينعكس عليه فيبدو باهتًا وأقل مرونة. لكن الشرب فوق الحاجة لا يمنح نضارة إضافية ولا يزيل التجاعيد، لأن رطوبة سطح الجلد تتحدد أساسًا بسلامة الحاجز الجلدي والعناية الموضعية والعوامل البيئية. فإذا كنت تعاني جفافًا مستمرًا في البشرة رغم الشرب الكافي، فالأجدى مراجعة طبيب الجلدية لتقييم نوع البشرة والعناية المناسبة لها.
كم مرة يجب أن أتبول يوميًا لأعرف أنني أشرب بما يكفي؟
لا يوجد رقم ثابت يصلح للجميع، لأن عدد مرات التبول يتأثر بكمية الشرب ونوع المشروبات والحرارة والنشاط وحجم المثانة. والمؤشر الأنفع هو التغير عن المعتاد، فإذا قل التبول بوضوح مع دكنة اللون فهذه إشارة إلى الحاجة إلى السوائل. أما كثرة التبول المفاجئة مع عطش شديد لا يزول، أو الاستيقاظ المتكرر ليلًا للتبول، أو الحرقة والألم، فهي أعراض تستحق مراجعة الطبيب لإجراء الفحوص المناسبة.
0 تعليقات